سيد محمد طنطاوي

68

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والضمير في قوله - تعالى - : * ( يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * يعود للأكثر من الناس . أي : هؤلاء الأكثرون من الناس ، من أسباب جهلهم بسنن اللَّه - تعالى - في خلقه ، أنهم لا يهتمون إلا بملاذ الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها ، ووسائل المعيشة فيها . * ( وهُمْ عَنِ الآخِرَةِ ) * وما فيها من حساب وثواب وعقاب * ( هُمْ غافِلُونَ ) * لأنهم آثروا الدار العاجلة ، على الدار الباقية ، فهم - كما قال - تعالى - : ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : وقوله : * ( يَعْلَمُونَ ظاهِراً ) * بدل من قوله : * ( ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) * . وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه ، وجعله بحيث يقوم مقامه ، ويسد مسده . ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل ، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا . . وفي تنكير قوله : * ( ظاهِراً ) * إشارة إلى أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهر الحياة الدنيا « 1 » . فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الكافرين وأشباههم ، انهماكهم في شؤون الدنيا انهماكا تاما ، جعلهم غافلين عما ينتظرهم في أخراهم من حساب وعقاب . ورحم اللَّه القائل : ومن البلية أن ترى لك صاحبا في صورة الرجل السميع المبصر فطن بكل مصيبة في ماله وإذا يصاب بدينه لم يشعر ثم حضهم - سبحانه - على التفكر في خلق أنفسهم ، وعلى التفكير في ملكوت السماوات والأرض ، لعل هذا التفكر والتدبر يهديهم إلى الصراط المستقيم ، فقال - تعالى - : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 8 إلى 10 ] أَولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وأَجَلٍ مُسَمًّى وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ( 8 ) أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وأَثارُوا الأَرْضَ وعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 9 ) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّه وكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 )

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 368 .